محمد جمال الدين القاسمي
153
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي . فلما كان الشرك باللّه منافيا بالذات لهذا المقصود ، وكان أكبر الكبائر على الإطلاق ، وحرم اللّه الجنة على كل مشرك ، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد ، وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته ، وأبى اللّه سبحانه أن يقبل من مشرك عملا ، أو يقبل فيه شفاعة ، أو يستجيب له في الآخرة دعوة ، أو يقيل له فيها عثرة - فإن المشرك أجهل الجاهلين باللّه حيث جعل له من خلقه ندّا ، وذلك غاية الجهل به . كما أنه غاية الظلم منه . وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه . ووقعت مسألة : وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى . وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء . كحال الملوك . فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية . وإنما قصد تعظيمه . وقال : إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني وتدخلني عليه . فهو المقصود . وهذه وسائل وشفعاء . فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في النار وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم ؟ وترتب على هذا سؤال آخر : وهو أنه هل يجوز أن يشرع اللّه سبحانه لعباده التقريب إليه بالشفعاء والوسائط ؟ فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع ، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول ، يمتنع أن تأتي به شريعة ، بل جاءت بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح ؟ وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب ؟ كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . فتأمل هذا السؤال . واجمع قلبك وذهنك على جوابه . ولا تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين ، والعالمين باللّه والجاهلين به ، وأهل الجنة وأهل النار . فنقول ( وباللّه التوفيق والتأييد ، ومنه نستمد المعونة والتسديد . فإنه من يهدي اللّه فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له . ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ) : الشرك شركان : شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله . وشرك في عبادته ومعاملته ، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . والشرك الأول نوعان : أحدهما - شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك . كشرك فرعون إذ قال وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ؟ وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً [ غافر : 36 - 37 ] . فالشرك والتعطيل متلازمان . فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك . لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرّا بالخالق سبحانه وصفاته . ولكن عطل حق